محمد سعيد رمضان البوطي
159
فقه السيرة النبوية مع موجز لتاريخ الخلافة الراشدة
ونحن نجمل هذه الدلائل والدروس فيما يلي : 1 - يدلنا السبب الأول لغزوة بدر أن الدافع الأصلي لخروج المسلمين مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، لم يكن القتال والحرب ، وإنما كان الدافع قصد الاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام تحت إشراف أبي سفيان ، غير أن اللّه تبارك وتعالى أراد لعباده غنيمة أكبر ، ونصرا أعظم ، وعملا أشرف وأكثر انسجاما مع الغاية التي ينبغي أن يقصدها المسلم في حياته كلها ، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها ، وأبدلهم بها نفيرا لم يكونوا يتوقعونه ، وفي هذا دليل على أمرين : الأمر الأول : أن عامة ممتلكات الحربيين تعدّ بالنسبة للمسلمين أموالا غير محترمة ، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدت إليه أيديهم منها ، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتبر ملكا لهم . وهو حكم متفق عليه عند عامة الفقهاء ، على أن للمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم في مكة عذرا آخر في القصد إلى أخذ عير قريش والاستيلاء عليها ، وهو محاولة التعويض - أو شيء من التعويض - عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم . الأمر الثاني : أنه على الرغم من مشروعية هذا القصد ، فإن اللّه تعالى أراد لعباده المؤمنين قصدا أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها ، ألا وهي الدعوة إلى دين اللّه والجهاد في سبيل ذلك ، والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة اللّه ، ومن هنا كان النصر العظيم حليف أبي سفيان في النجاة بتجارته ، بمقدار ما كانت الهزيمة العظيمة حليف قريش في ميدان الجهاد بينهم وبين المسلمين . وإن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلى بأبرز صورها في قوله تعالى : وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ ، وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ، وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ وَيَقْطَعَ دابِرَ الْكافِرِينَ [ الأنفال 8 / 7 ] . 2 - وعندما نتأمل كيف يجلس رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى أصحابه ليشاورهم في الأمر الذي فوجئوا به بعد أن أفلت منهم العير وطلع عليهم النفير العظيم المدجج بالسلاح الكامل ، نقف على دلالتين شرعيتين لكل منهما أهمية بالغة : الدلالة الأولى : التزامه صلّى اللّه عليه وسلم بمبدأ التشاور مع أصحابه ، وإذا استعرضنا حياته صلّى اللّه عليه وسلم ، وجدنا أنه كان يلتزم هذا المبدأ في كل أمر لا نص فيه من كلام اللّه تعالى ، مما له علاقة بالتدبير والسياسة الشرعية ، ومن أجل هذا أجمع المسلمون على أن الشورى في كل ما لم يثبت فيه نص ملزم من كتاب أو سنّة ، أساس تشريعي دائم لا يجوز إهماله . أما ما ثبت فيه نص من الكتاب أو حديث من السّنة أبرم به الرسول صلّى اللّه عليه وسلم حكمه ، فلا شأن للشورى فيه ولا ينبغي أن يقضى عليه بأيّ سلطان .